قناة شبكة أخبار الأنمي

لماذا يجب أن يكون أنمي “86” وجهتك التالية في عالم الميكا؟

لعل ميم الإنترنت الأكثر ملامسة للواقع في العصر الحديث هو ميم “الروبوتات تطلق النار (بيو بيو)”، الذي يصور كيف تتجاوز الثيمات العميقة لسلسلة آليات الخيال العلمي العسكرية فهم المشاهد، ليصب جل تركيزه بدلاً من ذلك على بريق المعادن وأشعة الليزر اللامعة. لكنني أود أن أقول كلمة دفاعاً عن ذلك الشخص الذي يكتفي بالاستمتاع بـ “بيو بيو”. فليست كل الأعمال تنجح في تقديم تلك الثيمات العميقة التي تحاول طرحها. ففي بعض الأحيان، تكتفي بالتلذذ بالانفجارات، والأسلحة العملاقة، والأشرار الذين يرتدون دروعاً مهيبة وهم يلقون بعبارات مثل: “آه، لقد وقعت في فخي”، بينما لا تولي أهوال الحرب المحيطة بها سوى اهتمام هامشي وظاهري. والحرب هي الجحيم بعينه؛ إنها مأساوية وتبعث على اليأس وتكبح آمال أجيال بأكملها وتنهي مستقبلهم. فخلف راية النصر الكبرى يكمن خراب مقفر، وهنا يبرز أنمي 86 EIGHTY-SIX الذي يؤدي عملاً رائعاً في سحب تصنيف الآليات (الـ “ميكا”) بقوة نحو التركيز على الجانب الإنساني.

لنوضح هذا الأمر من البداية؛ إن أنمي 86 EIGHTY-SIX لا يخلو من الروبوتات المذهلة. فالآليات ذات المظهر الحشري في هذا العمل تتميز بوضوح في هذا التصنيف، ويزداد هذا التميز لأنها تُنشر غالباً بأسلوب استراتيجي دقيق. حيث تصطدم حرارة المعركة بالتخطيط العسكري البارد، مما لا يترك مجالاً كبيراً لأي لمسة إنسانية. لكن هذا هو المغزى من 86 EIGHTY-SIX؛ فليس من المفترض أن نجد أمجادنا في الحرب. قد نتعاطف مع دبابة “الجاغرنوت” الكبيرة الشبيهة بالعقرب، لكنها ليست المحطة الأخيرة في رحلتنا العاطفية، بل تكمن هذه المحطة في البشر الآخرين.

إن فئة “الـ 86” التي يحمل العمل اسمها هم أطفال نشأوا في خضم الاضطرابات التي يولدها التعطش للحرب. فقد بحثت جمهورية سان ماغنوليا، بعد أن وقعت فريسة لتوجهات طبقية وعرقية بغيضة، عن فئة تجعل منها كبش فداء ووقوداً للمدافع في آن واحد. واستقر خيارهم على المجموعة التي شكلت لاحقاً “الـ 86″، وهم مجموعة من الجنود الأطفال المحرومين من الأسماء أو الهويات، ولا يُنظر إليهم إلا بوصفهم قائدي دبابات الجاغرنوت. وحتى في هذا المضمار، حُرموا من حق الوجود. فمن أجل الحفاظ على مظهر التفوق أمام فيالق إمبراطورية غياد المنافسة، روجت الجمهورية لفكرة أن هذه الروبوتات تعمل بشكل ذاتي القيادة. ووفقاً لروايتهم الرسمية، فإن حطام المعارك على جانبهم لا يحتوي على أي أشلاء بشرية.

يقوم شين، وهو قائد فصيل “رأس الحربة” (فريق النخبة من مخضرمي الـ 86 الذين مُنحوا أسماءً لا تتعدى كونها ألقاباً عسكرية زمن الحرب)، بجمع قطع معدنية صغيرة من دبابات الجاغرنوت لرفاقه الذين سقطوا في المعارك. وتتجلى أهمية هذا الصنيع بشكل أوضح مع تقدم الأحداث، ولكن إن كان هناك أي مؤشر على أن أنمي 86 EIGHTY-SIX سيكرم الأرواح المكافحة في الحرب، فهو هذا التخليد لذكراهم في مواجهة الموت؛ إذ لن يذرف أحد الدموع عليهم، ولا حتى الحكومة التي أرسلتهم ليلقوا حتفهم. وعلى الرغم من سمعة شين السيئة في تعامله المتمرد مع “المشرفين” الذين يُرسلون لإدارة فصيله، إلا أنه يحمل عبء التعاطف الإنساني في قلبه. أما تلك المشرفة، لينا، فقد نشأت منذ صغرها وهي ترى الـ 86 بأكثر من مجرد النظرة الفوقية للجمهورية التي تسعى لتجريدهم من إنسانيتهم لدعم شرعيتها الزائفة. ويتعامل أنمي 86 EIGHTY-SIX بحذر شديد مع هذه العلاقة، فيظهر الازدراء الذي تواجهه لينا من أولئك الذين لا يشاركونها مبادئها، والتردد والتوجس من جانب أولئك الذين ترغب في بناء أواصر الصداقة معهم. فمثل هذه العلاقات تتطلب جهداً واختباراً للقيم والصلابة على حد سواء، وحتى في الحلقات القليلة الأولى، تُتهم لينا باستغلال الـ 86 لإرضاء فضولها البرجوازي. والسبيل الوحيد أمامها لإثبات عكس ذلك هو مواصلة العمل الدؤوب.

إلى جانب هاتين الشخصيتين اللتين ترتكز عليهما القصة، يقدم أنمي 86 EIGHTY-SIX رؤى عديدة حول طبيعة المجتمع الذي تخلقه الحرب. ومن بين هذه الرؤى، يمكن للحرب أن تؤسس لثقافة العبثية، حيث يؤدي العجز عن الانتقام لمن فقدناهم بطريقة لائقة (رغم أن الانتقام لن يصلح شيئاً) إلى انتكاسة عاطفية حادة. كما أن أي محاولات للحفاظ على رباطة الجأش تتقوض حتماً بسبب قوى خارجة عن إرادتنا. ولا تغفل الحرب في 86 EIGHTY-SIX أبداً الفجوة الشاسعة بين أولئك الذين يُرسلون للموت، والأشخاص الذين يصدرون الأوامر وهم في أمان تام. لذا، فإن الخيبة والمرارة التي يشعر بها أعضاء فصيل “رأس الحربة” مبررة تماماً؛ فهم أشخاص يُكافؤون على إنجازاتهم في المعارك بـ… المزيد من المعارك. ومن الصعب ألا تشعر في مكانهم بأنك مجرد دمية يعبث بها شخص يجلس في برج عاجي ليمارس جنون العظمة والسلطة.

يغوص أنمي 86 EIGHTY-SIX، المستند إلى سلسلة الروايات الخفيفة الناجحة (والتي لا تزال مستمرة، على الرغم من أن الأنمي يصل إلى خاتمة ملائمة)، في أعماق بؤس الحرب، قبل أن يبتهج في النهاية بروعة التواصل الإنساني. فأحياناً يكون هذا التواصل مع أولئك الذين رحلوا، لكنهم لم يُتركوا طي النسيان أو الإهمال. وأحياناً أخرى يكون مع أشخاص من دروب حياة مختلفة تماماً يجمعكم معاً الأمل في غدٍ أفضل. ولأن الحرب ستظل دوماً كابوساً، فإن أولئك الذين يشاركوننا ذكرياتنا وأحلامنا هم كل ما نملك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى